mardi 24 novembre 2015

إكرام الضّيف

في أحد أيّام العطلة، ذهب حمزة إلى منزل جاره عليّ - بعد أن أدّى صلاة العصر في المسجد- ليلعبا معا. وعند وصوله، طرق الباب وانتظر أمام المنزل. وبعد قليل فتح عليّ الباب قائلا: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردّ حمزة التّحيّة كما أمر الله تعالى:"وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا". فأجاب قائلا: وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته، أهلا عليّ.
قال عليّ لضيفه: تفضّل.

دخل الولدان غرفة عليّ وشرعا في اللّعب. وفجأة انتبه حمزة إلى أنّ لعليّ قطارا جميلا يسير على سكّة دائريّة، تماما كالقطار الحقيقيّ. أعجب حمزة به كثيرا. فطلب من عليّ أن يجرّب اللّعب به قائلا: ما أجمل هذا القطار! هل يمكن أن نلعب به؟ 
قطّب عليّ حاجبيه وقال بكلّ جفاء: لا، سنلعب بالكرة الآن.
حزّ في نفس حمزة كثيرا هذا الرّفض وسكت. وواصل عليّ اللّعب بالكرة بمفرده. بعد قليل لاحظ عليّ وجوم حمزة، فتذكّر قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ". 
ٱستغفر الله، وتوجّه إلى أخيه مبتسما وسلّمه القطار بكلتا يديه. تهلّل وجه حمزة فرحا وشكر أخاه على كرمه. فانهمكا باللّعب بكلّ مرح.

عندما ٱقترب موعد أذان المغرب، سلّم حمزة على عليّ وأهل بيته وهمّ بالخروج منشرحا وقد زادته زيارته حبّا لجاره الصّغير.
فقالت له أمّ عليّ: عد لزيارتنا ثانية.
فأجابها حمزة: إن شاء الله. 
وغادر الولد مسرورا يدعو لجاره بكلّ خير.

mardi 17 novembre 2015

أصحاب الأخدود - الجزء الثالث والأخير

ساق جند الطاغية الغلام وصعدوا به الجبل. فدعا الغلام ربّه : "اللّهم اكفنيهم بما شئت". 
فإذا بالجبل يرجف بهم بقدرة الله، فسقط الجنود كلهم ونجّى الله الغلام المؤمن. ورجع إلى الملك يمشي بثبات وشجاعة. فاندهش الملك وسأله : "ماذا فعل الجنود؟" فأجابه: "كفانيهم الله".
أعاد الملك محاولة التّخلّص من الغلام ولكن بإلقائه في وسط البحر. فحمل جنوده الغلام على سفينة، وبنفس الطريقة حمى الله الغلام و نجّاه من الغرق. احتار الملك وتيقّن أنّ للغلام شأنا عظيما وإيمانا قويّا لا يزعزعه شيء وأنّ ربّ الغلام -الإلاه الحقّ- لن يسلم عبده...


كان النّاس يتابعون ما يفعله الغلام خطوة بخطوة، ويترقّبون ما سيصل إليه أمره. فلمّا يئس الملك من قتله، قال له الغلام: "إنّك لن تستطيع ذلك إلّا بطريقة واحدة أحدّدها أنا بنفسي." ولم يكن الغلام يطلب الموت يأسا وتعبا من ملاحقة الملك له وتضييقه عليه، بل كان يريد أن يؤمن النّاس كلّهم، وأن يثبت عجز الملك وضعفه، في مقابل قدرة الله وقوّته. فأخبره أنّه لن يستطيع قتله إلّا بأن يجمع النّاس في صعيد واحد، ويصلبه على خشبة، ثمّ يأخذ سهمـًا - وليس أيّ سهم ، بل سهمـًا من كنانة الغلام -  ويرميه به قائلاً : بسم الله ربّ الغلام. 

ونفّذ الملك الأحمق العاجز أمر الغلام ووقع السّهم في صدر البطل فمات. وما كاد الغلام يسقط ميّتاً ويتنفّس الملك الصّعداء بعد أن ظنّ أنّه اقتلع هذه "الفتنة" من جذورها، حتّى وقع أمر جلل. أسوأ كوابيس الطاغية تحوّل أمرا واقعا. لقد صار جهاد الغلام وصدعه بالحقّ جهاد قوم بقدرة الله وحكمته! تنادى النّاس من كلّ حدب وصوب مؤمنين بالله جلّ وعلا ، مردّدين: "آمنّا بربّ الغلام! آمنّا بربّ الغلام!" .

جنّ جنون الملك فقد وقع الأمر الذي كان يحذره ومن أجله سعى لقتل الغلام. فحفر الأخاديد، وأضرم فيها النّيران، وتوعّد كلّ من أصرّ على دينه بأن يقذف فيها. ولكن هيهات بعد أن كسر الغلام حاجز الخوف والرّهبة في نفوسهم، فرضي الناس بالتّضحية بالنّفس في سبيل الله واختاروا الموت على المذلّة. فثبّت الله قلوب المؤمنين ونالوا كلّهم الشّهادة صَابِرين و{ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ} كما قال الله تعالى.

  -------------------------------------
الفوائد السبع:
نسوق فيما يلي جملة من الفوائد تعين الآباء على شرح القصة لأبنائهم وإثراء فهمهم لها حرصا على تحقيق أقصى فائدة تعليمية وتربوية. وننصح الآباء في الإعتماد عليها بمراعاة سن الطفل وإدراكه وباستخدام لغة يفهمها في شرح المقاصد حتى يربطها بواقعه ومحيطه.

1- أعظم ملوك الأرض وجنودهم -مدججةً بأشدّ الأسلحة فتكا- لا يستطيعون أن يمسّوا غلاما صغيرا بشيء لم يكتبه الله عليه، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. حقيقة لابدّ أن يعيها ويؤمن بها كلّ مدافع عن الحقّ في مواجهة قوى الباطل مهما بدت جبّارة مدمّرة.
2- تأمّل عجز الملك أمام قوّة الغلام وعزّته بالله، يتّضح لك ضلال الّذين يبتغون العزّة عند غير الله من جبابرة الأرض ولو على حساب تنازلات مذلّة عن الحقّ الّذي آتاهم الله والذي فيه عزّهم ونصرهم.
3- ماذا أغنى الطاغية عن جنوده الذين أُسقطوا عن الجبل والذين أُغرقوا في البحر؟ باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم -إلاههم الملك الضعيف العاجز-. ويوم القيامة يبرأ منهم كما وعد الله. صفقة لا يرضاها عاقل!
4- أذلّ الغلام الملك وهزمه وجعله يطيعه صاغرا. وأيّ ذلّ هذا! اعترف مدّعي الألوهيّة باللّه الحقّ أمام النّاس جميعا.
5- آمن النّاس لمّا رأوا عظم التوحيد في نفس الغلام حين ضحّى بحياته غاليةً في سبيل إعلاء كلمته، في مقابل حقارة باطل الملك وهوانه على نفسه. فالتفّوا حول الحقّ بعد موت من بلّغه إليهم وحافظوا عليه. فهلّا وعى أصحاب التنازلات هذا؟ فمن هان عليه الحقّ لا يتجمّع حوله إلّا غثاء يذهب مع أوّل محنة لعدم استشعار الأتباع عظم الحقّ في نفوس القادة.
6- بذل الغلام حياته -وهي عزيزة عليه- من أجل إعلاء كلمة الله في قومه. وهذا هو معنى الشهادة في سبيل الله. ولو كان الغلام قنوطا جبانا لتنازل حين عذّبه الملك أو حين شهد قتل الرّاهب، أو لرمى بنفسه من على الجبل أو في البحر إذا ما تسنّى له ذلك.
7- الحقّ حقّ وإن تركه كلّ النّاس، والباطل باطل وإن اتّبعه كلّ النّاس. الحقّ قويّ بذاته يطرأ عليه الضعف بخذلان أتباعه. والباطل قويّ بذاته تطرأ عليه القوّة بانتصار أتباعه له. فانظر كيف انتصر الحقّ بغلام صغير وشيخ كبيرعلى باطل يدعمه جنود وساحر وملك ودولة.

وإليك -أيّها القارئ العزيز- فائدة أخرى. كيف وجدت نهاية القصّة؟ إن وجدتها حزينة لأنّ الملك وجنوده قد قتلوا كلّ المؤمنين، فاعلم أنّ الله سمّى ما حلّ بالمؤمنين بالفوز الكبير في سورة البروج. فراجع تقديرك وتأمّل أين مكان المؤمنين وأين مكان الطّاغية وجنوده يوم القيامة.


للقصة فوائد أخرى دون شك... والتعاليق مجال طيب لتبادلها بين متابعي المدونة..