كل الأطفال سمعوا دون شك بقصة الصرصور مع النملة. لكن قليلون جدا هم الذين يعلمون نهاية القصة وما حل بالصرصور بعد أن نهرته النملة يوم جاءها سائلا وقد أمضى فصل الصيف في اللهو والطرب والغناء وضيع وقته في ما يضر ولاينفع. وما الجوع الذي ألم به ومذلة السؤال إلا نبذة عن هذا الضرر الذي لحقه.
ماذا حلّ بالصرصور بعد ذلك؟
لتعلم، ما عليك إلا أن تقرأ بقية القصة حتى النهاية. نسوقها نحن إليكم هنا كاملة ولأول مرّة.
غادر الصرصور وأغلقت النملة دونه بابها عائدة إلى الدّفء والرّفاه الذي حصلته بكدّ الصيف والاجتهاد فيه. سمعت في الخارج صوت الرّعد يزمجر فراودها شعور عميق بالنّدم وهي تفكر في الصرصور المسكين الذي نهرته وطردته. البرد شديد والقوت صعب المنال، والصرصور دون شكّ يتضور جوعا الآن. بل قد يفكر في المغامرة بنفسه في بيت من بيوتات البشر ليصيب شيئا من الطعام. تذكّرت النملة ما حل بأحد أخواتها حين غامت بتهوّر في حديقة أحد النّاس ولم تنج من ميتة فظيعة محطّمة تحت نعل وحش آدمي ضخم... تصوّرت أن الصرصور المسكين قد لقي نفس المصير، فرجعت إلى نفسها وقالت: "كم أنا قاسية القلب! نهرت هذا السائل المسكين وطردته دون رحمة. بل قد أكون قتلته بفعلتي هذه!"
سارعت النملة إلى طعامها المخزّن فاستخرجت أكبر حبّة قمح وجدتها وخرجت لا تلوي على شيء تؤمّ بيت الصّرصور.
هام الصّرصور على وجهه وهو يشعر بذلّ مرير وجوع أمرّ. تملّكته الهواجس.إنّه ميت لا محالة إن لم يجد ما يأكله في هذا الشتاء. تذكّرأيّام اللهو والطرب وندم على كلّ لحظة ضيعها من حياته. بل هاهو الآن يشعر بأن حياته كلها ستضيع نتيجة لكسله واستهتاره. أمّا استمتاعه الأوّل فلم يغني عنه شيئا بل لم يلازمه شعور النشوة بالغناء إلّا دقائق معدودة، ثمّ يتلاشى كلّ شيء في حينه. ورجع إلى نفسه، قال: "لو كتب لي الله النجاة من هذه المحنة فلن أعود إلى حالي الأوّل أبدا.. بل سأكدّ وأعمل وأجدّ وأعدّ لمثل هذا اليوم."
كان هذا عهدا قطعه الصّرصور على نفسه.
ثمّ أقبل يبحث بين الأوراق والأغصان اليابسة عن أيّ شيء يأكله. بحث طويلا، تسلّق الأشجار، وقلب الحصى... لكن لا شيء! لا يوجد طعام يمكنه أن يناله إلّا في مكان واحد هو يعرفه وترتعد أجنحته لمجرد ذكره... "عند البشر!". قرّر الصّرصور أنه سيموت موتا بطيئا من الجوع إن هو بقي على حاله هذه، فلن يخسر هو شيئا في النهاية إن غامر بحياته في مطبخ أحد هؤلاء البشر العماليق الذين يخزنون على الدوام أطنانا من الغذاء.
فطار الصّرصور دون تردّد إلى أحد البيوت القريبة.. إلى مصير مجهول.
بيت الصّرصور لا باب له. هو مجرّد ثقب صغير في شجرة. تسلقتها النّملة بعسر وهي تجرّ حبّتها الثقيلة. ثمّ دفعت حبّتها برفق داخل الجحر وسلّمت ثمّ استأذنت. لم تسمع النّملة أيّ ردّ.
جلست النّملة عند الجحر باكية تدعو الله أن يحفظ الصّرصور من الموت وأن يهديه إلى العودة إلى جحره سالما حتّى ينصلح ما أفسدته بسوء خلقها.
تسلّل الصّرصور أسفل عقب باب ضخم ليجد نفسه في مطبخ "آدمي" رحب تفوح منه روائح شهيّة من كل حدب وصوب. أفقدت الرائحة الزكيّة الصرصور صوابه وطار يعتلي أقرب طاولة، ورمى بنفسه في أوّل علبة مفتوحة صادفته. فإذا به يجد نفسه منغمسا في كثبان من السّكر! أقبل الصرصور يأكل بنهم. نسي الصّرصور كلّ شيء.. تحوّلت مرارة الذلّ والجوع إلى حلاوة في فمه وأخذته نشوة عظيمة. قال في نفسه: "كان الأمر سهلا في النهاية! تسللت وما شعر بي أحد. وسأخرج كما دخلت... هذا المكان هو الجنّة بعينها؟!".. فكّر فتذكر عهده الذي قطعه على نفسه هذه الليلة فقهقه ضاحكا من نفسه: "لم العمل و النصب وأطنان من السكر هنا متوافرة بالمجّان! ستصعق هذه النملة الغبية حين تعلم أنّ جدّها وعملها المزعوم والذي لم تحصّل به إلّا الفتات ليس إلّا عذابا سخيفا، في حين أن بوسعها أن تأكل السكر بغير حساب ههنا.."
وغاب عقل الصّرصور وهو في سكرة انتصاره الموهوم فأخذ يغنّي ويعزف بتهوّر. ولم يشعر بهذا الرجل الضخم الذي سمع غناءه فأسرع نحو العلبة وقلبها على الطّاولة.. أفاق الصرصور المسكين عندها من غفلته ورفع بصره فإذا بوحش بشري عملاق -لم ير مثله في حياته- يرفع جسما غريبا ويهوي به في اتجاهه دون رحمة.
كان الصّرصور قد بالغ في أكل السكّرففقد رشاقته المعهودة وثقل جسمه. فحاول أن يطير متفاديا الضربة القاتلة فلم يفلح.
نامت النّملة عند جحر الصّرصور ودموعها لم تجفّ. ورأت نفس الكابوس مرارا في غفوتها هذه: الصرصور يسحق حتى الموت تحت أحذية البشر وهو يحاول أن يأكل فتات خبز يابس.
أفاقت النملة على صوت بكاء مرير. نظرت إلى مصدر الصوت أسفل الشجرة فإذا بالصّرصور في حال من البؤس والحزن العظيم. يحاول بيأس أن يتسلق شجرته ليلتحق بجحره... لقد حلّ به كرب شديد ونزل به ما كانت النملة تخشاه. لقد اقتلعت الضربة قائمتين من ضمن قوائمه الستّ وكسرت جناحه الأيمن بشكل مريع. لم يعد بوسعه تسلق شجرته ولم يعد بإمكانه أن يطير. فهم الصّرصور الدّرس ولكن بالطريقة القاسية.
وكان الدرس قاسيا على النملة أيضا. أسرعت النملة إليه تعاونه وهي لا تكاد تتمالك نفسها من البكاء. اختلط بكاؤها بصوتها ترجوه أن يسامحها وأن يغفر لها قسوتها. نظر إليها الصّرصور بندم وحزن وقال: "هوّني عليك.. إنّي أستحق ما حلّ بي.. ستبقى جروحي هذه تذكرني ما حييت بأهميّة العمل و الإجتهاد.. وبعاقبة تضييع الأوقات في اللهو والغناء."
أمضت النملة الشتاء في خدمة الصّرصور الذي التأمت جراحه. حتى إذا حلّ فصل الصّيف أقبل الصّرصور إلى النملة يطلب منها أن تجد له وظيفة في وادي النّمل. يريد الصّرصور عملا يناسبه يكدّ فيه ويجتهد فيحصّل قوت شتائه ممّا يجمعه النّمل أجرا له على خدماته. اقترحت عليه النملة أن يعمل حارسا لواديهنّ، يراقب من على تلّة مشرفة حتّى إذا لمح خطرا يقترب نبّه النّمل بصوته وإنشاده.
قبل الصّرصور العرض مسرورا وهكذا بدأ حياة جديدة تاب فيها وصار عاملا منتجا، يكسب قوته بعرق جبينه.
فهل يبقى على جدّه أم يعاوده استهتاره وتهاونه الأوّل؟ هل يصبر الصّرصور يا ترى على حياة العمل والاجتهاد؟
ماذا حلّ بالصرصور بعد ذلك؟
لتعلم، ما عليك إلا أن تقرأ بقية القصة حتى النهاية. نسوقها نحن إليكم هنا كاملة ولأول مرّة.
****
غادر الصرصور وأغلقت النملة دونه بابها عائدة إلى الدّفء والرّفاه الذي حصلته بكدّ الصيف والاجتهاد فيه. سمعت في الخارج صوت الرّعد يزمجر فراودها شعور عميق بالنّدم وهي تفكر في الصرصور المسكين الذي نهرته وطردته. البرد شديد والقوت صعب المنال، والصرصور دون شكّ يتضور جوعا الآن. بل قد يفكر في المغامرة بنفسه في بيت من بيوتات البشر ليصيب شيئا من الطعام. تذكّرت النملة ما حل بأحد أخواتها حين غامت بتهوّر في حديقة أحد النّاس ولم تنج من ميتة فظيعة محطّمة تحت نعل وحش آدمي ضخم... تصوّرت أن الصرصور المسكين قد لقي نفس المصير، فرجعت إلى نفسها وقالت: "كم أنا قاسية القلب! نهرت هذا السائل المسكين وطردته دون رحمة. بل قد أكون قتلته بفعلتي هذه!"
سارعت النملة إلى طعامها المخزّن فاستخرجت أكبر حبّة قمح وجدتها وخرجت لا تلوي على شيء تؤمّ بيت الصّرصور.
****
كان هذا عهدا قطعه الصّرصور على نفسه.
ثمّ أقبل يبحث بين الأوراق والأغصان اليابسة عن أيّ شيء يأكله. بحث طويلا، تسلّق الأشجار، وقلب الحصى... لكن لا شيء! لا يوجد طعام يمكنه أن يناله إلّا في مكان واحد هو يعرفه وترتعد أجنحته لمجرد ذكره... "عند البشر!". قرّر الصّرصور أنه سيموت موتا بطيئا من الجوع إن هو بقي على حاله هذه، فلن يخسر هو شيئا في النهاية إن غامر بحياته في مطبخ أحد هؤلاء البشر العماليق الذين يخزنون على الدوام أطنانا من الغذاء.
فطار الصّرصور دون تردّد إلى أحد البيوت القريبة.. إلى مصير مجهول.
****
بيت الصّرصور لا باب له. هو مجرّد ثقب صغير في شجرة. تسلقتها النّملة بعسر وهي تجرّ حبّتها الثقيلة. ثمّ دفعت حبّتها برفق داخل الجحر وسلّمت ثمّ استأذنت. لم تسمع النّملة أيّ ردّ.
جلست النّملة عند الجحر باكية تدعو الله أن يحفظ الصّرصور من الموت وأن يهديه إلى العودة إلى جحره سالما حتّى ينصلح ما أفسدته بسوء خلقها.
****
تسلّل الصّرصور أسفل عقب باب ضخم ليجد نفسه في مطبخ "آدمي" رحب تفوح منه روائح شهيّة من كل حدب وصوب. أفقدت الرائحة الزكيّة الصرصور صوابه وطار يعتلي أقرب طاولة، ورمى بنفسه في أوّل علبة مفتوحة صادفته. فإذا به يجد نفسه منغمسا في كثبان من السّكر! أقبل الصرصور يأكل بنهم. نسي الصّرصور كلّ شيء.. تحوّلت مرارة الذلّ والجوع إلى حلاوة في فمه وأخذته نشوة عظيمة. قال في نفسه: "كان الأمر سهلا في النهاية! تسللت وما شعر بي أحد. وسأخرج كما دخلت... هذا المكان هو الجنّة بعينها؟!".. فكّر فتذكر عهده الذي قطعه على نفسه هذه الليلة فقهقه ضاحكا من نفسه: "لم العمل و النصب وأطنان من السكر هنا متوافرة بالمجّان! ستصعق هذه النملة الغبية حين تعلم أنّ جدّها وعملها المزعوم والذي لم تحصّل به إلّا الفتات ليس إلّا عذابا سخيفا، في حين أن بوسعها أن تأكل السكر بغير حساب ههنا.."
وغاب عقل الصّرصور وهو في سكرة انتصاره الموهوم فأخذ يغنّي ويعزف بتهوّر. ولم يشعر بهذا الرجل الضخم الذي سمع غناءه فأسرع نحو العلبة وقلبها على الطّاولة.. أفاق الصرصور المسكين عندها من غفلته ورفع بصره فإذا بوحش بشري عملاق -لم ير مثله في حياته- يرفع جسما غريبا ويهوي به في اتجاهه دون رحمة.
كان الصّرصور قد بالغ في أكل السكّرففقد رشاقته المعهودة وثقل جسمه. فحاول أن يطير متفاديا الضربة القاتلة فلم يفلح.
****
نامت النّملة عند جحر الصّرصور ودموعها لم تجفّ. ورأت نفس الكابوس مرارا في غفوتها هذه: الصرصور يسحق حتى الموت تحت أحذية البشر وهو يحاول أن يأكل فتات خبز يابس.
أفاقت النملة على صوت بكاء مرير. نظرت إلى مصدر الصوت أسفل الشجرة فإذا بالصّرصور في حال من البؤس والحزن العظيم. يحاول بيأس أن يتسلق شجرته ليلتحق بجحره... لقد حلّ به كرب شديد ونزل به ما كانت النملة تخشاه. لقد اقتلعت الضربة قائمتين من ضمن قوائمه الستّ وكسرت جناحه الأيمن بشكل مريع. لم يعد بوسعه تسلق شجرته ولم يعد بإمكانه أن يطير. فهم الصّرصور الدّرس ولكن بالطريقة القاسية.
وكان الدرس قاسيا على النملة أيضا. أسرعت النملة إليه تعاونه وهي لا تكاد تتمالك نفسها من البكاء. اختلط بكاؤها بصوتها ترجوه أن يسامحها وأن يغفر لها قسوتها. نظر إليها الصّرصور بندم وحزن وقال: "هوّني عليك.. إنّي أستحق ما حلّ بي.. ستبقى جروحي هذه تذكرني ما حييت بأهميّة العمل و الإجتهاد.. وبعاقبة تضييع الأوقات في اللهو والغناء."
****
أمضت النملة الشتاء في خدمة الصّرصور الذي التأمت جراحه. حتى إذا حلّ فصل الصّيف أقبل الصّرصور إلى النملة يطلب منها أن تجد له وظيفة في وادي النّمل. يريد الصّرصور عملا يناسبه يكدّ فيه ويجتهد فيحصّل قوت شتائه ممّا يجمعه النّمل أجرا له على خدماته. اقترحت عليه النملة أن يعمل حارسا لواديهنّ، يراقب من على تلّة مشرفة حتّى إذا لمح خطرا يقترب نبّه النّمل بصوته وإنشاده.
قبل الصّرصور العرض مسرورا وهكذا بدأ حياة جديدة تاب فيها وصار عاملا منتجا، يكسب قوته بعرق جبينه.
فهل يبقى على جدّه أم يعاوده استهتاره وتهاونه الأوّل؟ هل يصبر الصّرصور يا ترى على حياة العمل والاجتهاد؟

