mardi 24 novembre 2015

إكرام الضّيف

في أحد أيّام العطلة، ذهب حمزة إلى منزل جاره عليّ - بعد أن أدّى صلاة العصر في المسجد- ليلعبا معا. وعند وصوله، طرق الباب وانتظر أمام المنزل. وبعد قليل فتح عليّ الباب قائلا: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردّ حمزة التّحيّة كما أمر الله تعالى:"وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا". فأجاب قائلا: وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته، أهلا عليّ.
قال عليّ لضيفه: تفضّل.

دخل الولدان غرفة عليّ وشرعا في اللّعب. وفجأة انتبه حمزة إلى أنّ لعليّ قطارا جميلا يسير على سكّة دائريّة، تماما كالقطار الحقيقيّ. أعجب حمزة به كثيرا. فطلب من عليّ أن يجرّب اللّعب به قائلا: ما أجمل هذا القطار! هل يمكن أن نلعب به؟ 
قطّب عليّ حاجبيه وقال بكلّ جفاء: لا، سنلعب بالكرة الآن.
حزّ في نفس حمزة كثيرا هذا الرّفض وسكت. وواصل عليّ اللّعب بالكرة بمفرده. بعد قليل لاحظ عليّ وجوم حمزة، فتذكّر قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ". 
ٱستغفر الله، وتوجّه إلى أخيه مبتسما وسلّمه القطار بكلتا يديه. تهلّل وجه حمزة فرحا وشكر أخاه على كرمه. فانهمكا باللّعب بكلّ مرح.

عندما ٱقترب موعد أذان المغرب، سلّم حمزة على عليّ وأهل بيته وهمّ بالخروج منشرحا وقد زادته زيارته حبّا لجاره الصّغير.
فقالت له أمّ عليّ: عد لزيارتنا ثانية.
فأجابها حمزة: إن شاء الله. 
وغادر الولد مسرورا يدعو لجاره بكلّ خير.

mardi 17 novembre 2015

أصحاب الأخدود - الجزء الثالث والأخير

ساق جند الطاغية الغلام وصعدوا به الجبل. فدعا الغلام ربّه : "اللّهم اكفنيهم بما شئت". 
فإذا بالجبل يرجف بهم بقدرة الله، فسقط الجنود كلهم ونجّى الله الغلام المؤمن. ورجع إلى الملك يمشي بثبات وشجاعة. فاندهش الملك وسأله : "ماذا فعل الجنود؟" فأجابه: "كفانيهم الله".
أعاد الملك محاولة التّخلّص من الغلام ولكن بإلقائه في وسط البحر. فحمل جنوده الغلام على سفينة، وبنفس الطريقة حمى الله الغلام و نجّاه من الغرق. احتار الملك وتيقّن أنّ للغلام شأنا عظيما وإيمانا قويّا لا يزعزعه شيء وأنّ ربّ الغلام -الإلاه الحقّ- لن يسلم عبده...


كان النّاس يتابعون ما يفعله الغلام خطوة بخطوة، ويترقّبون ما سيصل إليه أمره. فلمّا يئس الملك من قتله، قال له الغلام: "إنّك لن تستطيع ذلك إلّا بطريقة واحدة أحدّدها أنا بنفسي." ولم يكن الغلام يطلب الموت يأسا وتعبا من ملاحقة الملك له وتضييقه عليه، بل كان يريد أن يؤمن النّاس كلّهم، وأن يثبت عجز الملك وضعفه، في مقابل قدرة الله وقوّته. فأخبره أنّه لن يستطيع قتله إلّا بأن يجمع النّاس في صعيد واحد، ويصلبه على خشبة، ثمّ يأخذ سهمـًا - وليس أيّ سهم ، بل سهمـًا من كنانة الغلام -  ويرميه به قائلاً : بسم الله ربّ الغلام. 

ونفّذ الملك الأحمق العاجز أمر الغلام ووقع السّهم في صدر البطل فمات. وما كاد الغلام يسقط ميّتاً ويتنفّس الملك الصّعداء بعد أن ظنّ أنّه اقتلع هذه "الفتنة" من جذورها، حتّى وقع أمر جلل. أسوأ كوابيس الطاغية تحوّل أمرا واقعا. لقد صار جهاد الغلام وصدعه بالحقّ جهاد قوم بقدرة الله وحكمته! تنادى النّاس من كلّ حدب وصوب مؤمنين بالله جلّ وعلا ، مردّدين: "آمنّا بربّ الغلام! آمنّا بربّ الغلام!" .

جنّ جنون الملك فقد وقع الأمر الذي كان يحذره ومن أجله سعى لقتل الغلام. فحفر الأخاديد، وأضرم فيها النّيران، وتوعّد كلّ من أصرّ على دينه بأن يقذف فيها. ولكن هيهات بعد أن كسر الغلام حاجز الخوف والرّهبة في نفوسهم، فرضي الناس بالتّضحية بالنّفس في سبيل الله واختاروا الموت على المذلّة. فثبّت الله قلوب المؤمنين ونالوا كلّهم الشّهادة صَابِرين و{ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ} كما قال الله تعالى.

  -------------------------------------
الفوائد السبع:
نسوق فيما يلي جملة من الفوائد تعين الآباء على شرح القصة لأبنائهم وإثراء فهمهم لها حرصا على تحقيق أقصى فائدة تعليمية وتربوية. وننصح الآباء في الإعتماد عليها بمراعاة سن الطفل وإدراكه وباستخدام لغة يفهمها في شرح المقاصد حتى يربطها بواقعه ومحيطه.

1- أعظم ملوك الأرض وجنودهم -مدججةً بأشدّ الأسلحة فتكا- لا يستطيعون أن يمسّوا غلاما صغيرا بشيء لم يكتبه الله عليه، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. حقيقة لابدّ أن يعيها ويؤمن بها كلّ مدافع عن الحقّ في مواجهة قوى الباطل مهما بدت جبّارة مدمّرة.
2- تأمّل عجز الملك أمام قوّة الغلام وعزّته بالله، يتّضح لك ضلال الّذين يبتغون العزّة عند غير الله من جبابرة الأرض ولو على حساب تنازلات مذلّة عن الحقّ الّذي آتاهم الله والذي فيه عزّهم ونصرهم.
3- ماذا أغنى الطاغية عن جنوده الذين أُسقطوا عن الجبل والذين أُغرقوا في البحر؟ باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم -إلاههم الملك الضعيف العاجز-. ويوم القيامة يبرأ منهم كما وعد الله. صفقة لا يرضاها عاقل!
4- أذلّ الغلام الملك وهزمه وجعله يطيعه صاغرا. وأيّ ذلّ هذا! اعترف مدّعي الألوهيّة باللّه الحقّ أمام النّاس جميعا.
5- آمن النّاس لمّا رأوا عظم التوحيد في نفس الغلام حين ضحّى بحياته غاليةً في سبيل إعلاء كلمته، في مقابل حقارة باطل الملك وهوانه على نفسه. فالتفّوا حول الحقّ بعد موت من بلّغه إليهم وحافظوا عليه. فهلّا وعى أصحاب التنازلات هذا؟ فمن هان عليه الحقّ لا يتجمّع حوله إلّا غثاء يذهب مع أوّل محنة لعدم استشعار الأتباع عظم الحقّ في نفوس القادة.
6- بذل الغلام حياته -وهي عزيزة عليه- من أجل إعلاء كلمة الله في قومه. وهذا هو معنى الشهادة في سبيل الله. ولو كان الغلام قنوطا جبانا لتنازل حين عذّبه الملك أو حين شهد قتل الرّاهب، أو لرمى بنفسه من على الجبل أو في البحر إذا ما تسنّى له ذلك.
7- الحقّ حقّ وإن تركه كلّ النّاس، والباطل باطل وإن اتّبعه كلّ النّاس. الحقّ قويّ بذاته يطرأ عليه الضعف بخذلان أتباعه. والباطل قويّ بذاته تطرأ عليه القوّة بانتصار أتباعه له. فانظر كيف انتصر الحقّ بغلام صغير وشيخ كبيرعلى باطل يدعمه جنود وساحر وملك ودولة.

وإليك -أيّها القارئ العزيز- فائدة أخرى. كيف وجدت نهاية القصّة؟ إن وجدتها حزينة لأنّ الملك وجنوده قد قتلوا كلّ المؤمنين، فاعلم أنّ الله سمّى ما حلّ بالمؤمنين بالفوز الكبير في سورة البروج. فراجع تقديرك وتأمّل أين مكان المؤمنين وأين مكان الطّاغية وجنوده يوم القيامة.


للقصة فوائد أخرى دون شك... والتعاليق مجال طيب لتبادلها بين متابعي المدونة..

mardi 29 septembre 2015

تهنئة بالعيد



بسم الله الرحمن الرحيم

تعلّمنا قصّة ذبح النّبيّ إبراهيم عليه السّلام لابنه معنى التّضحية في سبيل اللّه و أن لا فداء بغير تضحية. لقد استحقّ ابراهيم وابنه الفداء بذبح عظيم حينما اختارا التّضحية طاعة لله.

وكذلك كان الأنبياء نماذج وقدوات في التّضحية. ومنهم نبيّنا محمّد خاتمهم عليه الصّلاة والسّلام. فقد دعا قومه وصبر عليهم سنوات بمكّة واختار التّضحية والوفاء في حمل الأمانة لمّا عرض عليه مشركو قومه كلّ شيء، فضحّى بالملك والمال والعيش بين قومه في بلده آمنا وغير ذلك... وأخرجه قومه ولاقى مصاعب جمّة في هجرته. ثمّ جاهد قومه وأبناء عمّه وسلك بأمر الله سبيل القتال والصّبر على مصاعب الدّعوة ومعاداة العرب المشركين والفرس والرّوم له مع أصحابه الذين لم يبخلوا رضوان الله عليهم جميعا بالتّضحيات.
أثمرت هذه التّضحيات ومعها تضحيات التابعين وتابعيهم هذا الإسلام العظيم الذي غيّر الدّنيا. ولربّما كنّا سنولد ونعيش غير مسلمين لولاها، وهذا هو الفداء. ناله الإسلام بتضحية رجاله ونسائه.

فبمناسبة هذا العيد المبارك نسأل الله أن يهدي المسلمين إلى العود إلى سبيل الأنبياء ومن سار على نهجهم في التّضحية ونسأله أن يهديهم إلى سبيل نيل الفداء.
ونهنّئ متابعي المدونة - أطفالا وآباء - بعيد الأضحى ونسأل الله أن يتقبل منّا ومنهم صالح الأعمال وأن يبارك لنا ولهم.
ونسأله أن يجعل العيد فرحا وسرورا ورحمة وبركة وأنسا لأطفال أمّتنا الغالية ونخص منهم أبناء الأسرى وأطفال الشام والعراق واليمن ومصر وبورما وأفريقيا الوسطى وكلّ مكان يحاول فيه أعداء الخير والحق سرقة البسمة من وجوههم البريئة. ونبشّرهم وأنفسنا بأنّه لابدّ بعد الصّبر والتّضحية من فداء.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

mardi 22 septembre 2015

الذّبيحُ




اقترب عيد الأضحى ودخل شهرُ ذي الحِجَّةِ. وكنت إذا دخل صُمْتُ حتّى يحلّ يوم العيد. ولا أفوّت على نفسي حلقة ذكرٍ في المسجد إلّا وجلست فيها مع إخواني لأصيب أجر الجلوس في حِلَقِ الذّكر. وكنت شديد الحِرْصِ على أجر هذا العمل الصالح في هذه الأيّام المعظّمة عند الله.

في إحدى هذه الحلق المباركة جلست إلى شيخ عالم جليل أُنْصِتُ إليه وهو يقصّ قصّةً... وأيّ قصَّةٍَ؟ إنّها قصّة الذَّبِيحِ... يقول شيخنا:

"كان إبراهيم عليه السلام طوال حياته يأمل أن يرزق بالولد، حتى إذا بلغ من الكبر عتياً، رزقه الله إسماعيل، فاقرَّ به عينه.

ثمّ أمره الله وابنه لا يزال بعد رضيعا صغيرا أن يترك ابنه في صحراء مُقْفِرَة. امتثل لأمر ربه، فترك ولده وزوجه في مكان قفْر. سألته زَوْجُه يوم تركهما بوادي مكّة: أ الله أمرك بأن تتركنا هنا يا ابراهيم؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيّعنا.
فانظر إلى إيمان أمّنا أمّ العرب، أمّ اسماعيل، هاجر، وانظر إلى ثقتها بالله!

وكان ما كان وشبَّ الطفل وعرك الحياة. ثم ها هو إبراهيم عليه السلام يؤمر بأن يذبح ابنه إسماعيل، ولده العزيز! إنه لأمر تنُوءُ بحمله الجبال..استجاب إبراهيم لربّه، وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته، فشدَّ الرِّحال إلى ابنه ليلبِّيَ أمر الله فيه، ولم يلبث أن أخبر ولدَهُ بما أمره الله به، فقال: {إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} (الصافات:102)، فبادر الغلام بالطّاعة، وقال: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (الصافات:102). فما أعظم مشهد العبوديّة والامتثال والخضوع لأمر الله هذا، من ابراهيم الّذي وفَّى واسماعيلَ المَرْضِيِّ عند ربِّه! 

واستسلم الشابّ لأمر ربه، وألقاه إبراهيم على الأرض، وأمسك السّكين لينفذ أمر الله فيه، ووضع السكين على نَحرهِ، وأمرَّها على عنقه، بيْدَ أنّهَا لم تقطع، ولم تفعل فعلها المعهود. وَرَحِمَ الله الشَّيخَ الكبير، ورَحم قلْبَ الشَّابِّ الفَتِيِّ، ونودِيَ: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ} (الصافات:105)، فدى الله إسماعيل {بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافات:107)، رآه بجواره، فأقبل عليه وذبحه؛ فكان فداء لابنه، وحقناً لدمه."

هذه هي قصّة الذّبيح.
قمت وقد عَظُمَ أَمْرُ يوم العيد في نفسي أكثر وعَظُمَ في نفسي أن يترك أناس شعيرة أضحية العيد بغيرِ عُذْرٍ. أَلَا يَقْتدُونَ بِهَذا الأَبِ وَابْنِهِ الّذَيْنِ عَظّمَا أَمْرَ الله وَأَطَاعَاهُ وَهُوَ أَكْبَرُ وَأَشَقُّ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ؟
وفكّرت أيضا بحال هؤلاء المساكين الّذين يستخفّون بهذه الشعيرة ويتداولون صور الخراف المازحة المستهزئة بالعيد. وإذا أنكر عليهم أحد سخروا منه وقالوا انّما نخوض ونلعب. أَ بِشَعِيرَةٍ أَمَرَ الله بتعظيمها يستهزؤون؟



----------
المصدر: إسلام ويب - بتصرّف

mercredi 16 septembre 2015

ورثة المجد - الطبيب المجدّد

عالم من علماء هذا العصر كرّس ويكرّس إلى اليوم حياته في خدمة المسلمين و مداواتهم لينال الأجر والثواب وليفيد النّاس وينقذهم من المعانات والأمراض بإذن الله. هذا هو الدّكتور جميل القدسي -كما نحسبه والله حسيبه- طبيب مسلم متفوّق.




درس الدّكتور جميل قدسي الطّبّ بجدّ واجتهد في البحث عن أسرار الجسم البشريّ. وفي كلّ مرّة يتوصّل إلى اكتشاف جديد، يزداد عنده حبّ المعرفة وتعلو همّته أكثر في البحث وطلب العلم النّافع ليصل بذلك إلى هدفه وهو تقديم يد العون للمسلمين. وكان شعاره الدائم حتى اليوم -نسأل الله أن يثبّته ويعينه- البحث والتنقيب بلا كلل أو ملل. فتميّز بذلك عن كثير من الأطبّاء الّذين ركنوا إلى ما تعلّموه وانغمسوا في طلب الرّزق دون السّعي إلى التجديد والبحث عن أساليب جديدة تطوّر مهاراتهم ومعارفهم.

فبعد أن منّ الله عليه بانهاء الدراسة، فتح الله سبحانه وتعالى عليه ببحث ضخم سمّاه "الغذاء الميزان" يكشف مجموعة من القوانين في التغذية مستنتجة من التّدبر والاستقراء في القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة. قام الدّكتورعلى إثبات هذه القوانين وتأكيدها بالطّرق والأساليب العلميّة والبحثيّة الدقيقة. وألّف فيها كتابا ضخما من أكثر من خمسين ألف صفحة قال عنها الدكتور المجدّد أنّها ستقدّم حلولا جذريّة للبشريّة -بإذن اللّه تعالى- لأمراضها المزمنة وطرق زراعتها الخاطئة وتصنيعها الغذائي السّقيم بل وحتّى المجاعات القادمة التي تهدّدها. خلاصة هذا البحث هي أنّ الإنسان لو أحسن تنظيم تغذيته، وإعداد غذائه بالطرق السليمة، وتوزيع وجباته، وأنّه لو حرص على توازن معيّن بين عناصر غذائه ومكوّناته، فإنّه سيعيش متوازنا صحيحا معافى. بل سيتمكّن من التّغلب على أمراض مزمنة استعصت على الطّبّ اليوم، دون لجوء إلى أدوية أو إجراءات طبّيّة استثنائيّة. وتتعدّى فوائد هذا البحث إلى المجتمع ككلّ.

بحث بمثل هذه الأهمّيّة كان لابدّ من نشره والتّعريف به، وقد تمتّع الدكتور بنفس الهمّة في هذا الباب فواصل الدّكتور عمله الدّؤوب فقدّم كثيرا من أجزائه في المؤتمرات والمحاضرات. تطلّب هذا المشروع الكبير منه أيضا الإزدياد في التّخصص والدّراسة ليستطيع القيام بإدارته وتوجيهه، فاستعان بالله ودرس صناعة الأفلام وكان هدفه من هذه الدّراسة أن يقدّم الغذاء الميزان بأعلى مستوى يخاطب به كافّة النّاس ولا يقتصر على المسلمين فقط. فتخرج بفضل الله بتقدير ممتاز.
ورغم عظم هذا الإنجاز، تتجاهله إلى الآن معظم مؤسّسات الصحّة والطبّ المهيمنة على هذا المجال في العالم. كما لا يوليه الاهتمام المطلوب كبار أطبّاء الغرب ذوو الشهرة والمكانة. ذلك بأنّ هيمنة الجشعين الباحثين عن الرّبح والمستخفّين بآلام النّاس، تحرم الإنسانيّة هذا الخير الغزير في مقابل المحافظة على أسواق الأدوية باهضة الأثمان، ضعيفة المردود. غياب الوازع الأخلاقيّ الانسانيّ الذي يزعم أصحاب الحلّ والعقد في مجال الطبّ والصّيدلة في العالم زورا أنّه يحرّكهم، يتسبّب بذلك في استمرار آلام وأوجاع "مربحة" يمكن تلافيها بجهود طبيب مسلم صادق كما نحسبه.
ومع ذلك لم يفلّ هذا من عزم الطبيب المجدّد ولم يثنه عن إفادة مئات الآلاف من البشر. إذ استطاع الدّكتور جميل أن يشفي الكثير من المرضى بإذن الله وحده فشكر الله كثيرا وحمده.

كانت رحلة الدكتور جميل طويلة جدا فهو لا يملّ من طلب العلم. تمكّن من تطوير نفسه فأصبح عالما جليلا جديرا بأن يكون قدوة. كان دكتورنا يردّد دائما ويقول الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما شاء الله ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم، و كان يقول أيضا وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب. 

هذا هو الطبيب المجدّد.. واحد من كثير استحقّوا أن يسمّوا ورثة المجد.. نسأل الله له الإخلاص والثّبات.

ورثة المجد - تقديم

بسم الله الرّحمن الرّحيم

في ظلّ اختلال الموازين في العالم واستفحال الهجمة الإعلامية التي "سحرت أعين" كثيرين فصاروا لا يميزون بين الحقّ والباطل، اختلّت من ضمن ما اختلّت معايير البطولة والنضال والعلم والعمل والتحرّر.

وها نحن نرى نماذج هزيلة تافهة تقدّم لأبنائنا على أنّها قدوات، لا يرى الأبناء سواها أو يكادون. فتراهم للأسف يتسابقون لتقليد مغنّ أو راقص أو ممثّل منحلّ والعياذ بالله. وفي أحسن الأحوال يتخذون من "نجوم" الكرة وكبار المشاهير من غير المسلمين قدوات في ظلّ "أزمة قدوات" مستفحلة، يعالج الدكتور إياد قنيبي إحدى نماذجها من خلال هذا المقطع المفيد:



لا يتخذ أبناءنا أمثال هؤلاء، لانعدام قدوات مسلمة مشرّفة في زماننا. ولكن لتغييب متعمّد من المنظومة الإعلامية وغير متعمّد من الغافلين من الآباء والمعلّمين للرّموز الحقيقيّين ولأبطال الأمّة والإنسانيّة.

ربّما إن سألت أحد الغافلين عن قدوات مسلمة فذّة لشرد ذهنه إلى القرون الأوَل يستحضر سنوات المجد بعد بعثة النّبي وحكم الإسلام. وقد يعزف الأبناء والشّباب الّذين يبحثون عمّن يصلح لهم قدوة من واقعهم ومحيطهم عن أمثال هؤلاء العظماء. لا لأنّهم لا يجدون فيهم معاني البطولة والشجاعة والحكمة التي يتعطّش إليها كلّ الشباب. ولكن لأنّ الطّفل والمراهق والشّاب يلتفت إلى نماذج يمكنه أن يتصوّر نفسه مكانها وأن يحلم بخوض مواقفها. ورجال ونساء زمانهم ومحيطهم وواقعهم هم دون شكّ أقرب لتحقّق عمليّة تقمّص شخصيّة القدوة والدّخول في جلبابها. وهو ممّا يجب أن نتفهّمه ويتفهّمه الآباء حين يسعون لإيجاد أسباب إيقاظ همم أبنائهم وإستخراج أفضل ما فيهم.
هذا فضلا عن العمل الممنهج في الإعلام والمناهج الدراسيّة لقطع صلة الطّفل المسلم بتاريخه المجيد وبأبطاله الكبار في القديم، عبر تجاهلهم وتناسيهم أو حتى تشويههم والقدح فيهم في أحيان كثيرة مقابل تمجيد نماذج لأبطال مزيفين يفتقرون لأيّ رابط مع صنّاع مجد المسلمين، الأوائل.

يبقى الآن السّؤال:
أيّ القدوات -من المتأخّرين- يجدر بنا تقديمها لأبنائنا كنماذج صالحة للإتّباع والإجلال؟

الجواب:
إنّهم مسلمون متفوقون... غيّروا ويغيّرون إلى اليوم واقع الأمّة والكون... إنّهم "ورثة المجد"...




سيكون هذا عنوان سلسلة جديدة للأطفال، نعيش فيها في كلّ مرّة قصّة وريث من ورثة المجد سار على درب عظماء الإسلام الأوائل واستحقّ شرف المساهمة في إحياء هذا المجد الذي صنعوه -بفضل الله- من قبل.

mardi 18 août 2015

ماذا حلّ بالصرصور - الجزء الأوّل

كل الأطفال سمعوا دون شك بقصة الصرصور مع النملة. لكن قليلون جدا هم الذين يعلمون نهاية القصة وما حل بالصرصور بعد أن نهرته النملة يوم جاءها سائلا وقد أمضى فصل الصيف في اللهو والطرب والغناء وضيع وقته في ما يضر ولاينفع. وما الجوع الذي ألم به ومذلة السؤال إلا نبذة عن هذا الضرر الذي لحقه.

ماذا حلّ بالصرصور بعد ذلك؟ 
لتعلم، ما عليك إلا أن تقرأ بقية القصة حتى النهاية. نسوقها نحن إليكم هنا كاملة ولأول مرّة.

****

غادر الصرصور وأغلقت النملة دونه بابها عائدة إلى الدّفء والرّفاه الذي حصلته بكدّ الصيف والاجتهاد فيه. سمعت في الخارج صوت الرّعد يزمجر فراودها شعور عميق بالنّدم وهي تفكر في الصرصور المسكين الذي نهرته وطردته. البرد شديد والقوت صعب المنال، والصرصور دون شكّ يتضور جوعا الآن. بل قد يفكر في المغامرة بنفسه في بيت من بيوتات البشر ليصيب شيئا من الطعام. تذكّرت النملة ما حل بأحد أخواتها حين غامت بتهوّر في حديقة أحد النّاس ولم تنج من ميتة فظيعة محطّمة تحت نعل وحش آدمي ضخم... تصوّرت أن الصرصور المسكين قد لقي نفس المصير، فرجعت إلى نفسها وقالت: "كم أنا قاسية القلب! نهرت هذا السائل المسكين وطردته دون رحمة. بل قد أكون قتلته بفعلتي هذه!"
سارعت النملة إلى طعامها المخزّن فاستخرجت أكبر حبّة قمح وجدتها وخرجت لا تلوي على شيء تؤمّ بيت الصّرصور.

****

هام الصّرصور على وجهه وهو يشعر بذلّ مرير وجوع أمرّ. تملّكته الهواجس.إنّه ميت لا محالة إن لم يجد ما يأكله في هذا الشتاء. تذكّرأيّام اللهو والطرب وندم على كلّ لحظة ضيعها من حياته. بل هاهو الآن يشعر بأن حياته كلها ستضيع نتيجة لكسله واستهتاره. أمّا استمتاعه الأوّل فلم يغني عنه شيئا بل لم يلازمه شعور النشوة بالغناء إلّا دقائق معدودة، ثمّ يتلاشى كلّ شيء في حينه. ورجع إلى نفسه، قال: "لو كتب لي الله النجاة من هذه المحنة فلن أعود إلى حالي الأوّل أبدا.. بل سأكدّ وأعمل وأجدّ وأعدّ لمثل هذا اليوم."
كان هذا عهدا قطعه الصّرصور على نفسه.


ثمّ أقبل يبحث بين الأوراق والأغصان اليابسة عن أيّ شيء يأكله. بحث طويلا، تسلّق الأشجار، وقلب الحصى... لكن لا شيء! لا يوجد طعام يمكنه أن يناله إلّا في مكان واحد هو يعرفه وترتعد أجنحته لمجرد ذكره... "عند البشر!". قرّر الصّرصور أنه سيموت موتا بطيئا من الجوع إن هو بقي على حاله هذه، فلن يخسر هو شيئا في النهاية إن غامر بحياته في مطبخ أحد هؤلاء البشر العماليق الذين يخزنون على الدوام أطنانا من الغذاء.
فطار الصّرصور دون تردّد إلى أحد البيوت القريبة.. إلى مصير مجهول.

****

بيت الصّرصور لا باب له. هو مجرّد ثقب صغير في شجرة. تسلقتها النّملة بعسر وهي تجرّ حبّتها الثقيلة. ثمّ دفعت حبّتها برفق داخل الجحر وسلّمت ثمّ استأذنت. لم تسمع النّملة أيّ ردّ. 
جلست النّملة عند الجحر باكية تدعو الله أن يحفظ الصّرصور من الموت وأن يهديه إلى العودة إلى جحره سالما حتّى ينصلح ما أفسدته بسوء خلقها.

****

تسلّل الصّرصور أسفل عقب باب ضخم ليجد نفسه في مطبخ "آدمي" رحب تفوح منه روائح شهيّة من كل حدب وصوب. أفقدت الرائحة الزكيّة الصرصور صوابه وطار يعتلي أقرب طاولة، ورمى بنفسه في أوّل علبة مفتوحة صادفته. فإذا به يجد نفسه منغمسا في كثبان من السّكر! أقبل الصرصور يأكل بنهم. نسي الصّرصور كلّ شيء.. تحوّلت مرارة الذلّ والجوع إلى حلاوة في فمه وأخذته نشوة عظيمة. قال في نفسه: "كان الأمر سهلا في النهاية! تسللت وما شعر بي أحد. وسأخرج كما دخلت... هذا المكان هو الجنّة بعينها؟!".. فكّر فتذكر عهده الذي قطعه على نفسه هذه الليلة فقهقه ضاحكا من نفسه: "لم العمل و النصب وأطنان من السكر هنا متوافرة بالمجّان! ستصعق هذه النملة الغبية حين تعلم أنّ جدّها وعملها المزعوم والذي لم تحصّل به إلّا الفتات ليس إلّا عذابا سخيفا، في حين أن بوسعها أن تأكل السكر بغير حساب ههنا.."
وغاب عقل الصّرصور وهو في سكرة انتصاره الموهوم فأخذ يغنّي ويعزف بتهوّر. ولم يشعر بهذا الرجل الضخم الذي سمع غناءه فأسرع نحو العلبة وقلبها على الطّاولة.. أفاق الصرصور المسكين عندها من غفلته ورفع بصره فإذا بوحش بشري عملاق -لم ير مثله في حياته- يرفع جسما غريبا ويهوي به في اتجاهه دون رحمة.
كان الصّرصور قد بالغ في أكل السكّرففقد رشاقته المعهودة وثقل جسمه. فحاول أن يطير متفاديا الضربة القاتلة فلم يفلح.


****

نامت النّملة عند جحر الصّرصور ودموعها لم تجفّ. ورأت نفس الكابوس مرارا في غفوتها هذه: الصرصور يسحق حتى الموت تحت أحذية البشر وهو يحاول أن يأكل فتات خبز يابس.
أفاقت النملة على صوت بكاء مرير. نظرت إلى مصدر الصوت أسفل الشجرة فإذا بالصّرصور في حال من البؤس والحزن العظيم. يحاول بيأس أن يتسلق شجرته ليلتحق بجحره... لقد حلّ به كرب شديد ونزل به ما كانت النملة تخشاه. لقد اقتلعت الضربة قائمتين من ضمن قوائمه الستّ وكسرت جناحه الأيمن بشكل مريع. لم يعد بوسعه تسلق شجرته ولم يعد بإمكانه أن يطير. فهم الصّرصور الدّرس ولكن بالطريقة القاسية.
وكان الدرس قاسيا على النملة أيضا. أسرعت النملة إليه تعاونه وهي لا تكاد تتمالك نفسها من البكاء. اختلط بكاؤها بصوتها ترجوه أن يسامحها وأن يغفر لها قسوتها. نظر إليها الصّرصور بندم وحزن وقال: "هوّني عليك.. إنّي أستحق ما حلّ بي.. ستبقى جروحي هذه تذكرني ما حييت بأهميّة العمل و الإجتهاد.. وبعاقبة تضييع الأوقات في اللهو والغناء."

****

أمضت النملة الشتاء في خدمة الصّرصور الذي التأمت جراحه. حتى إذا حلّ فصل الصّيف أقبل الصّرصور إلى النملة يطلب منها أن تجد له وظيفة في وادي النّمل. يريد الصّرصور عملا يناسبه يكدّ فيه ويجتهد فيحصّل قوت شتائه ممّا يجمعه النّمل أجرا له على خدماته. اقترحت عليه النملة أن يعمل حارسا لواديهنّ، يراقب من على تلّة مشرفة حتّى إذا لمح خطرا يقترب نبّه النّمل بصوته وإنشاده. 
قبل الصّرصور العرض مسرورا وهكذا بدأ حياة جديدة تاب فيها وصار عاملا منتجا، يكسب قوته بعرق جبينه. 
فهل يبقى على جدّه أم يعاوده استهتاره وتهاونه الأوّل؟ هل يصبر الصّرصور يا ترى على حياة العمل والاجتهاد؟

samedi 8 août 2015

أصحاب الأخدود - الجزء الثاني


صرح جليس الملك بكفره بألوهيّة الملك وإيمانه بالله وحده. شعر الملك عندها ببوادر ثورة تهدد عرشه. ثورة على الجهل والظلم والاستعباد. فأراد أن يعرف أصل هذه "الفتنة" ومصدرها، فلم يتورع عن تعذيب جليسه الذي آمن حتى نال مبتغاه ووصل إلى الغلام. 

فقال الملك للغلام بعد اكتشاف أمره: يا بنيّ أنت تمتلك قدرات كبيرة، وعلما بالسّحر فأصبحت تشفي النّاس من أصعب الأمراض وقد أحبوك لذلك.. فرد عليه الغلام بكل ثقة : إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله. 

جنّ جنون الملك واستيقن أن وراء الغلام من علّمه التوحيد لأنّه كان يظن أنّ الساحر هو وحده من يؤثّر عليه حينما اختاره ليعلمه السّحر. وأخذ يعذبه كثيرا والغلام صابر إلى أن نفذت طاقته. فأخبر الملك عن الرّاهب. 



فجاء هذا الطاغية بالرّاهب على مرآى من الغلام وأمره أن يرجع عن دينه ولكنه يحمل إيمانا قويا، فلم تخفه تهديدات الملك ففضّل الموت على الكفر بالله. فوضع جنود الملك المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه. 

ثم جيء بالغلام، فأراد الملك أن يختبر الغلام ثانية فقال له: ارجع عن دينك، فأبى، فأمر جنوده أن يحملوه إلى جبل و أن يلقوه من فوقه إذا كان مصرا على دينه. وقد كان الملك يخشى أن يشهد الناس قتل الغلام الذي أحبوه فيثوروا على الطغيان. 

فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فدعا الغلام الله: اللهم اكفنيهم بما شئت...

ترى هل يصمد الغلام هذه المرة ويثبت على دينه؟ هل ينجو من الموت؟

-------------------------------------
الفوائد السبع:
نسوق فيما يلي جملة من الفوائد تعين الآباء على شرح القصة لأبنائهم وإثراء فهمهم لها حرصا على تحقيق أقصى فائدة تعليمية وتربوية. وننصح الآباء في الإعتماد عليها بمراعاة سن الطفل وإدراكه وباستخدام لغة يفهمها في شرح المقاصد حتى يربطها بواقعه ومحيطه.


1- يفزع الطغاة من كل بصيص أمل ليقظة المخدوعين والمستعبدين ويرتعبون من كل علامة ثورة على الضلال والجهل القائمين والذين يخدمان مصالحهم: دول الطغاة هشة وعروشهم آيلة للإنهيار.. تهزها كلمة حق واحدة ويرج الأرض من تحتها أدنى نداء يفضح حالها.
2- خاطب الملك الغلام برفق بادئ الأمر وحاول أن يكسبه ليستخدمه في خداع الناس وتطويعهم... لكن الغلام قطع عليه طريق فتنته عن الحق منذ البداية واختار الحق الناصع وقد كانت الدنيا ستفتح له ذراعيها. وهذا حال الثابتين على الحق لا يتنازلون ولا يسوغون لأنفسهم المتاجرة بالتوحيد وتغبيش الرؤية على الناس بدعوى المصلحة.
3- تأمل خسة الطاغية وعجزه وهو يسارع إلى محاولة اقتلاع شجرة التوحيد النابتة من جذورها، في مقابل صمود الراهب وحفظ الله للغلام.
4- صمد الراهب واختار الموت على الأخذ بالرخصة في النطق بالكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان حتى يثبّت الغلام فلا يهتزّ حين يرى ضعفه وهو من علمه التوحيد. فكان صمود الراهب رسالة إلى الغلام أن هذا الأمر أعظم من الحياة ويستحق أن يموت الانسان شهيدا دونه. والله أعلم بنية الراهب.
5- لم يقتل الملك الغلام مثلما قتل الراهب لخوفه من غضب الناس الذين أحبوه. فكان هذا دليلا آخر على فضل الغلام على الراهب الذي ذكرناه في الجزء الأوّل من القصّة، ودليلا آخر على ضعف الطغاة وعجزهم. والله أعلم.
6- جنود الطاغية شركاء له في محاربة التوحيد وفتنة الناس عن دنيهم وتثبيت الظلم والطغيان، لا يعذرون في طاعتهم لأمر الملك. فانظر كيف أغرق الله فرعون مع جنوده كلهم وكيف توعدهم جميعا بالعذاب في القرآن الكريم.
7- يثبت الله عباده ويصبرهم في الشدائد فيلهمهم الذكر ويزيدهم إيمانا لصدقهم وهذا حال الغلام حين دعا الله وهو يساق إلى الجبل ليقتل.


للقصة فوائد أخرى دون شك... والتعاليق مجال طيب لتبادلها بين متابعي المدونة..

samedi 18 juillet 2015

بأمّ المؤمنين أقتدي

مريم فتاة صغيرة وجميلة تحبّ والديها وأخاها الأصغر عبد الرّحمان.

ذات يوم، عندما بلغت سبع سنوات جاءها أبوها مبتسما وقال لها : 
- يا بنيّتي لقد منّ الله علينا فجعلنا مسلمين وجعلنا من أمّة النبيّ صلى الله عليه وسلّم وكما تعلمين كانت نساء النّبي صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين - ونساء صحابته رضوان الله عليهم جميعا يلبسن الحجاب لذلك ينبغي علينا أن نقتدي بهم. وأنت، يا مريم، قد كبرت وأصبح عمرك سبع سنوات. فما رأيك أن تبدئي وضع الحجاب الآن؟ 
أجابت مريم دون تردّد وبكلّ سرور: 
- أجل يا أبي! لقد كنت أنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر!
قفزت مريم مسرعة إلى أمّها لتبشّرها بقرارها فقالت لها: 
- يا أمّي سأبشّرك بخبر رائع. منذ اليوم سألتزم بلبس الحجاب إن شاء اللّٰه. لقد صرت مثلك يا ماما!
قالت الأمّ:
- رضي اللّٰه عنك يابنيّتي وثبّتك على الصّلاح.

فرحت مريم فرحا شديدا لأنّها سترتدي الحجاب وتصبح مثل والدتها ومثل المؤمنات في زمن النبيّ عليه الصلاة والسلام.
مرّت الأيام ومريم تذهب كل يوم إلى المدرسة معتزّة بحجابها وتدرس وتجتهد لتتفوّق. وفي العطلة الأسبوعيّة ذهبت مع معلّمتها وصديقاتها إلى الحديقة العامّة. كان الطّقس حارّا، ومريم وصديقاتها يلعبن ويمرحن. قالت المعلّمة: 
- يا مريم أنت لا تزالين صغيرة، والطّقس اليوم حارّ فلا ضير في أن تنزعي حجابك حتّى تنتهي من اللّعب ثمّ أعيدي لبسه عند الإنتهاء؟
قطبت مريم جبينها ورفضت قائلة: 
- ولكن يا معلّمتي لقد فرض الله الحجاب على نساء المسلمين في الحرّ والبرد.
أجابتها المعلّمة:
- ولكنّه ليس مفروضا عليك وأنت صغيرة يا حلوة...
- أنا بأمّ المؤمنين عائشة أقتدي... لذلك أحبّ أن أبقيه ليثبّتني الله عندما أكبر.

أعجبت المعلمة بإصرار مريم واستحسنت عملها. بنت صغيرة تعتز بحجابها ويعزّ عليها تركه وغيرها ممّن فرض عليهنّ يتركنه لأقلّ من ذلك! وعندما رجعت إلى البيت حكت مريم ما جرى لأبيها وأمّها ففرحا بصنيع مريم وقبّلاها ودعوا لها بالثبات والصّلاح. وعندما حلّت العطلة الصيفيّة أقاما لها حفلة كبيرة دعيت لها صديقاتها لتهنئتها بالإلتزام بالحجاب.


تهنئة بالعيد




بسم الله الرحمان الرحيم

نهنّئ متابعي المدونة - أطفالا وآباء - بعيد الفطر ونسأل الله أن يتقبل منّا ومنهم صالح الأعمال وأن يبارك لنا ولهم.

نعتذر عن التأخير في نشر قصة الأسبوع المنصرم والتي سيتم نشرها مع قصة هذا الأسبوع. قد شغلتنا العشر الأواخر من رمضان. كما شغلنا العيد باستعداداته وفرحته.

نسأل الله أن يثبتنا وسائر المسلمين على الطاعة بعد رمضان. ونسأله أن يجعل العيد فرحا وسرورا ورحمة وبركة وأنسا لأطفال المسلمين ونخص منهم أطفال الشام والعراق واليمن ومصر وبورما وكل مكان يحاول فيه أعداء الخير والحق سرقة البسمة من وجوههم البريئة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

samedi 4 juillet 2015

أصحاب الأخدود - الجزء الأول

كان هناك ملك طاغية متجبر إدّعى الألوهية من دون الله و كان له ساحر يعتمد عليه في تثبيت ملكه، وإرهاب الناس لينصاعوا لأمره والتلبيس عليهم وخداعهم ليبقوا عبيدا أذلاء مسلوبي الإرادة فلا يهددوا عرشه.

طعن هذا السّاحر في السنّ، وطلب من الملك أن يرسل له غلاما ليرث علمه وشعوذته، ويخلفه في مهمته الخبيثة. فجاء غلام ذكي فطن إلى الساحر وأصبح يتردّد عليه ليتعلّم السحر. وتعرّف في طريق ذهابه إلى السّاحر وعودته من عنده على راهب مؤمن، دعاه إلى الإيمان والتوحيد. فكان إذا ذهب إلى الساحر ضربه لأنّه يتأخّر عندما يجلس إلى الراهب وكان إذا ذهب إلى أهله ضربوه لأنه يتأخّر أيضا. فشكا ذلك إلى الرّاهب فقال له الرّاهب: إذا خشيتَ الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني السّاحر.




ذات يوم، رأى الغلام دابّة عظيمة قد منعت الناس من الوصول إلى الماء، فقال: اليوم أعلم هل السّاحر أفضل أم الرّاهب أفضل. فأخذ حجرا وقال اللّهم إن كان أمر الرّاهب أحبّ إليك من أمر السّاحر فاقتل هذه الدّابة حتى يمضي النّاس، فرماها فقتلها. فذهب إلى الرّاهب فأخبره، فقال له الراهب: يا بُنَيَّ، أنت اليوم أفضل منّي، وإنّك ستُبْتَلَى، فإِنِ ابْتُلِيتَ فلا تدلَّ عليَّ.

اشتهر الغلام بين الناس بعد ذلك، وأجرى الله على يديه الكرامات من شفاء المرضى وإبراء الأكمه والأبرص، وكان الغلام لا يكذب على الناس ولايدّعي أنّه يشفيهم بسحره بل يتّخذ ما وهبه الله من كرامات لنشر دعوته وتبليغ رسالته. وكان لا يهمه من أمره إلا أن يهدي الناس إلى الحقّ فأخلص لله ولم يغتر بجاه أو سلطان.
سمع جليس للملك كان ضريرا بالغلام، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال كل هذه الهدايا لك إن أنت شفيتني، فقال الغلام إنّي لا أشفي أحدا، إنّما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك ، فآمن بالله، فشفاه الله. وجلس الرجل إلى الملك كعادته، فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك، قال: ربّي. قال: ولك ربّ غيري؟ قال: ربّي وربّك الله، فغضب الملك فأمر بتعذيبه حتّى دلّ على الغلام...

تُرى ماذا جرى للغلام بعد ذلك؟ 

------------------------------------------------------
فوائد: 
نسوق فيما يلي جملة من الفوائد تعين الآباء على شرح القصة لأبنائهم حرصا على تحقيق أقصى فائدة تعليمية وتربوية. وننصح الآباء في الاعتماد عليها بمراعاة سن الطفل وإدراكه واستخدام لغة يفهمها في شرح المقاصد حتى يربطها بواقعه ومحيطه.

1- الطغاة عادة ما يستندون في تثبيت حكمهم على نشر الجهل وغياب الوعي وهم يجندون في سبيل ذلك من الخبثاء والمدلسين والكذابين من يقومون مقام الساحر في هذه القصة. وعادة ما يسمونهم بغير أسمائهم إمعانا في التضليل وحتى يروجوا لهم عند الناس فيسمونهم علماء وحكماء ومفكرين ومجددين وفلاسفة.
2- يحارب الطغاة في المقابل العلماء العاملين والدعاة المخلصين ويقمعونهم لأنهم من يكشفون أكاذيب سحرتهم وينشرون الوعي ويدفعون الناس للتساؤل عن أوضاعهم والعمل على تغيير المنكر من أحوالهم. والراهب يقوم في القصة مقام الداعية الصادق.
3- المسلم لا يحقر من المعروف شيئا ولو أن يدعو غلاما صغيرا ضعيفا إلى الحق. فقد يكون في هذا الجهد الصغير خير كثير بمباركة الله له  إذا كان مصحوبا بالصدق والإخلاص.
4- يعطي الله على الرفق مالا يعطي على الشدة. وما نجاح الراهب في شد الغلام إليه وجذبه إلى الحق إلا دليل آخر على قوة اللين والرفق مع الجاهل الضال في تحقيق الإقناع.. هذا فضلا عما يحمله الحق في ذاته من قوة.
5- صار الغلام خيرا من الراهب لأنه يخالط الناس ويصبر على أذاهم ويجاهر بدعوتهم بينما ينزوي الراهب في صومعته متفرغا للعبادة ولايدل شيء في القصة على أنه دعا غير هذا الغلام.. والله أعلم
6- لايقنط المؤمن من رحمة الله مهما ساءت الأحوال وضل السواد الأعظم من الناس واستفحل الشر وقويت شوكته. كان يمكن للراهب لو كان انهزاميا يائسا أن يقول في نفسه: فيم أدعو هذا الغلام الصغير وأعرض نفسي للفتنة؟ وماذا سيتغير بهداية ولد ضعيف! ولكنه دعاه فسنرى فيما يلي من القصة كيف أثمر هذا العمل على صغره كما يبدو في الظاهر. إن الله على كل شيء قدير.
7- الداعية إلى الله رؤوف بالجاهلين رحيم بالضعفاء. همه إخراجهم من ضلالهم لا محاكمتهم وتعنيفهم. وهكذا كان الغلام مع قومه. وكان إخلاصه في ذلك سببا في حب الناس له. وكيف يفلح داعية إن لم يجد خطابه ودعوته طريقا إلى قلوب من يدعوهم؟

للقصة فوائد أخرى دون شك.. والتعاليق عليها مجال طيب لتبادلها بين المتابعين للمدونة..

dimanche 28 juin 2015

جحا والحمار

الراوي: كان جحا يسكن بيتا متواضعا في قرية صغيرة , وكان يصعب عليه التنقل من مكان لآخر و يشق عليه فقرر في أحد الأيام أن يشتري حمارا فقال في نفسه.
جحا : أنا لا أملك حمارا والعمل متعب، إذا لماذا لا أشتري واحدا  ليزول همي و تعبي؟ 
الراوي: وانطلق متجها إلى السوق و هو في قمة السعادة. وفي الطريق  اعترضه رجل جالس تحت ظل شجرة يقرأ كتابا فقال جحا.
جحا :  السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
الرجل : و عليكم السلام  ورحمة الله و بركاته إلى أين أنت ذاهب؟
جحا : أنا ذاهب إلى السوق لأبتاع حمارا جميلا ينهق بصوت جيد
الرجل : ألا تقول إن شاء الله حتى يعينك و يسهل عليك أمرك؟
جحا : و لماذا؟ ألا ترى أن السوق قريب وكيسي ممتلئ بالنقود، سأرجع إليك بعد قليل ومعي حماري
الراوي : ومضى جحا يمشي متبخترا فرحا. و ما إن وصل إلى السوق حتى هجم لص عليه واختطف منه كيس النقود ولاذ بالفرار. صدم جحا مما حل به. وقف برهة من الزمن يتأمل وقال:
جحا : أستغفر الله العظيم لقد كان الرجل على حق
الراوي : عاد جحا إلى منزله وقد تغير حاله، وبعد أيام تمكن من جمع بعض المال فاتجه إلى السوق متوكلا على الله وفي الطريق قابله نفس الرجل الحكيم فقال له :
 الرجل :  السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
جحا : و عليكم السلام  و رحمة الله و بركاته
الرجل : إلى أين هذه المرة؟
جحا : إلى السوق لأشتري حمارا إن شاء الله.
الرجل :  وفقك الله وأعانك.
الراوي : فرح جحا بدعاء الرجل الصالح له، وما إن وصل إلى السوق حتى تفاجأ برجل غريب يتقدم نحوه قائلا.
الرجل الغريب :  أنا من سرق نقودك قبل أيام وقد تبت إلى الله ومنذ ذلك الوقت وأنا آتي إلى هنا كل يوم للبحث عنك فالحمد لله أنّي وجدتك. خذ كيسك وأرجو منك أن تسامحني على خطئي يا جحا.
جحا : لا عليك، إن الله غفور رحيم، أنا أيضا تعلمت درسا وقد جعلك الله سببا في ذلك.
الراوي : اجتمع لجحا مال كثير فاشترى حمارا جميلا لم يكن يحلم به وبقي له من المال ما تصدق به على اللص التائب. ومنذ تلك اللحظة لم يغفل عن التّوكل على الله في كل أموره.



-------------------------------
قصة مستوحاة بتصرف من أنشودة "حمار جحا" على قناة طيور الجنة
نؤكد على عدم الاستماع للأنشودة إلا وهي غير مصحوبة بالمعازف.

mardi 23 juin 2015

افتتاح مدونة قصص الأندلس للأطفال



هاهو الموقع الذي وعدت أبنائي وبناتي أن أنشئه يرى النور بفضل الله.

كنت قد لاحظت من خلال تجربتي الأولى مع تدريس اللغة العربية، تأخرا في القدرة على التعبير وتكوين جمل ثرية وعجزا عن إيجاد المفردات المناسبة للتعبير عن فكرة عند عدد من أبنائي وبناتي، وذلك رغم حرص ظاهر ورغبة جادة في تعلم اللغة العربية والتمكن منها.

من بين النماذج التي شجعتني على بعث هذه المدونة -بل هو النموذج الأساس- ابنتي أماني التي أوقد حواري التالي معها جذوة هذه الفكرة في عقلي.

المعلم: أماني! هل فهمت ما أقول حينما شرحت كذا وكذا؟
أماني: (بالفرنسية) لا لم أفهم شيئا.
المعلم: لاشيء على الإطلاق؟..
محاولة جادة أخرى لشرح الفكرة باستعمال المفردات العربية فحسب دون تقدم. ثم اضطررت إلى استخدام الفرنسية لإيصال الفكرة.
ثم لاحظت فيما بعد أن أماني تطالع كتابا بالفرنسية بنهم شديد. تخرجه في كل فرصة تسنح لها لتواصل قراءته...
المعلم: ماذا تقرئين؟
أماني تشرح بحماس شديد موضوع كتابها.
المعلم: أتحبين المطالعة؟
أماني: نعم بشدة!
المعلم: أنا أعرف كتبا وقصصا جميلة وممتعة بالعربية. لم لا تقرئين بالعربية؟ ستتحسنين كثيرا في العربية وستستمتعين أكثر في كل مرة تطالعين قصة جديدة.
أماني: لا أستطيع. لا أجد قصصا. وحتى لو وجدت، لما فهمت شيئا مما أقرأ.

أماني هذه تعشق المطالعة وهي مع هذا متقدة الذكاء فلا عجب أنها متفوقة في المدرسة الفرنسية وهو مما يبعث على الفخر. لكن مما يشعرني بالحسرة في الآن نفسه أن لا يستثمرميلها للقراءة في شدها إلى لغة القرآن عبر توفير بدائل مفيدة وقيمة. ومن هنا ولدت فكرة هذه المدونة.

غاية الموقع هي توفير قصص مفيد وممتع باللغة العربية حتى يساعد الأبناء على التمكن من لغتهم عبر التدرب عليها بشكل مستمر وثري. ويكون القصص مثبتا في الوقت نفسه لعقيدة الإسلام مشجعا الطفل على التخلق بأخلاقه ، أخلاق الرحمة والعزة والقوة والصدق.

لكن يجدر التأكيد على أن هذه المدونة وما تنشره من قصص لن تحقق المطلوب ولن تأتي بالثمرة المرجوة دون جهود الأباء خصوصا في المراحل الأولى من الترغيب في الإقبال عليها. فإن لم يصبر الوالد على شرح القصة الأولى فالثانية.. لابنه وتذليلها له فلن تحصل أبدا الانطلاقة التي تنتهي بتمكن الإبن من اللغة وحصوله على الأدوات الكافية ليبحر فيما بعد بمفرده في المطالعة..

نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في هذا العمل وأن يبارك فيه.