كان هناك ملك طاغية
متجبر إدّعى الألوهية من دون الله و كان له ساحر يعتمد عليه في تثبيت ملكه، وإرهاب الناس لينصاعوا لأمره والتلبيس عليهم وخداعهم ليبقوا عبيدا أذلاء مسلوبي الإرادة فلا يهددوا عرشه.
طعن هذا السّاحر في السنّ،
وطلب من الملك أن يرسل له غلاما ليرث علمه وشعوذته، ويخلفه في مهمته الخبيثة. فجاء غلام ذكي فطن إلى
الساحر وأصبح يتردّد عليه ليتعلّم السحر. وتعرّف في طريق ذهابه إلى السّاحر وعودته
من عنده على راهب مؤمن، دعاه إلى الإيمان والتوحيد. فكان إذا ذهب إلى الساحر ضربه لأنّه
يتأخّر عندما يجلس إلى الراهب وكان إذا ذهب إلى أهله ضربوه لأنه يتأخّر أيضا. فشكا
ذلك إلى الرّاهب فقال له الرّاهب: إذا خشيتَ الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك
فقل: حبسني السّاحر.
ذات يوم، رأى الغلام
دابّة عظيمة قد منعت الناس من الوصول إلى الماء، فقال: اليوم أعلم هل السّاحر أفضل
أم الرّاهب أفضل. فأخذ حجرا وقال اللّهم إن كان أمر الرّاهب أحبّ إليك من أمر السّاحر
فاقتل هذه الدّابة حتى يمضي النّاس، فرماها فقتلها. فذهب إلى الرّاهب فأخبره، فقال
له الراهب: يا بُنَيَّ، أنت اليوم أفضل منّي، وإنّك ستُبْتَلَى، فإِنِ ابْتُلِيتَ
فلا تدلَّ عليَّ.
اشتهر الغلام بين
الناس بعد ذلك، وأجرى الله على يديه الكرامات من شفاء المرضى وإبراء الأكمه والأبرص،
وكان الغلام لا يكذب على الناس ولايدّعي أنّه يشفيهم بسحره بل يتّخذ ما وهبه الله
من كرامات لنشر دعوته وتبليغ رسالته. وكان لا يهمه من أمره إلا أن يهدي الناس إلى الحقّ فأخلص لله ولم يغتر بجاه أو سلطان.
سمع جليس للملك كان
ضريرا بالغلام، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال كل هذه الهدايا لك إن أنت شفيتني، فقال
الغلام إنّي لا أشفي أحدا، إنّما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك ،
فآمن بالله، فشفاه الله. وجلس الرجل إلى الملك كعادته، فقال له الملك: من ردّ عليك
بصرك، قال: ربّي. قال: ولك ربّ غيري؟ قال: ربّي وربّك الله، فغضب الملك فأمر
بتعذيبه حتّى دلّ على الغلام...
تُرى ماذا جرى للغلام بعد ذلك؟
------------------------------------------------------
فوائد:
نسوق فيما يلي جملة من الفوائد تعين الآباء على شرح القصة لأبنائهم حرصا على تحقيق أقصى فائدة تعليمية وتربوية. وننصح الآباء في الاعتماد عليها بمراعاة سن الطفل وإدراكه واستخدام لغة يفهمها في شرح المقاصد حتى يربطها بواقعه ومحيطه.
1- الطغاة عادة ما يستندون في تثبيت حكمهم على نشر الجهل وغياب الوعي وهم يجندون في سبيل ذلك من الخبثاء والمدلسين والكذابين من يقومون مقام الساحر في هذه القصة. وعادة ما يسمونهم بغير أسمائهم إمعانا في التضليل وحتى يروجوا لهم عند الناس فيسمونهم علماء وحكماء ومفكرين ومجددين وفلاسفة.
2- يحارب الطغاة في المقابل العلماء العاملين والدعاة المخلصين ويقمعونهم لأنهم من يكشفون أكاذيب سحرتهم وينشرون الوعي ويدفعون الناس للتساؤل عن أوضاعهم والعمل على تغيير المنكر من أحوالهم. والراهب يقوم في القصة مقام الداعية الصادق.
3- المسلم لا يحقر من المعروف شيئا ولو أن يدعو غلاما صغيرا ضعيفا إلى الحق. فقد يكون في هذا الجهد الصغير خير كثير بمباركة الله له إذا كان مصحوبا بالصدق والإخلاص.
4- يعطي الله على الرفق مالا يعطي على الشدة. وما نجاح الراهب في شد الغلام إليه وجذبه إلى الحق إلا دليل آخر على قوة اللين والرفق مع الجاهل الضال في تحقيق الإقناع.. هذا فضلا عما يحمله الحق في ذاته من قوة.
5- صار الغلام خيرا من الراهب لأنه يخالط الناس ويصبر على أذاهم ويجاهر بدعوتهم بينما ينزوي الراهب في صومعته متفرغا للعبادة ولايدل شيء في القصة على أنه دعا غير هذا الغلام.. والله أعلم
6- لايقنط المؤمن من رحمة الله مهما ساءت الأحوال وضل السواد الأعظم من الناس واستفحل الشر وقويت شوكته. كان يمكن للراهب لو كان انهزاميا يائسا أن يقول في نفسه: فيم أدعو هذا الغلام الصغير وأعرض نفسي للفتنة؟ وماذا سيتغير بهداية ولد ضعيف! ولكنه دعاه فسنرى فيما يلي من القصة كيف أثمر هذا العمل على صغره كما يبدو في الظاهر. إن الله على كل شيء قدير.
7- الداعية إلى الله رؤوف بالجاهلين رحيم بالضعفاء. همه إخراجهم من ضلالهم لا محاكمتهم وتعنيفهم. وهكذا كان الغلام مع قومه. وكان إخلاصه في ذلك سببا في حب الناس له. وكيف يفلح داعية إن لم يجد خطابه ودعوته طريقا إلى قلوب من يدعوهم؟
للقصة فوائد أخرى دون شك.. والتعاليق عليها مجال طيب لتبادلها بين المتابعين للمدونة..