اقترب عيد الأضحى ودخل شهرُ ذي الحِجَّةِ. وكنت إذا دخل صُمْتُ حتّى يحلّ يوم العيد. ولا أفوّت على نفسي حلقة ذكرٍ في المسجد إلّا وجلست فيها مع إخواني لأصيب أجر الجلوس في حِلَقِ الذّكر. وكنت شديد الحِرْصِ على أجر هذا العمل الصالح في هذه الأيّام المعظّمة عند الله.
في إحدى هذه الحلق المباركة جلست إلى شيخ عالم جليل أُنْصِتُ إليه وهو يقصّ قصّةً... وأيّ قصَّةٍَ؟ إنّها قصّة الذَّبِيحِ... يقول شيخنا:
"كان إبراهيم عليه السلام طوال حياته يأمل أن يرزق بالولد، حتى إذا بلغ من الكبر عتياً، رزقه الله إسماعيل، فاقرَّ به عينه.
ثمّ أمره الله وابنه لا يزال بعد رضيعا صغيرا أن يترك ابنه في صحراء مُقْفِرَة. امتثل لأمر ربه، فترك ولده وزوجه في مكان قفْر. سألته زَوْجُه يوم تركهما بوادي مكّة: أ الله أمرك بأن تتركنا هنا يا ابراهيم؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيّعنا.
فانظر إلى إيمان أمّنا أمّ العرب، أمّ اسماعيل، هاجر، وانظر إلى ثقتها بالله!
وكان ما كان وشبَّ الطفل وعرك الحياة. ثم ها هو إبراهيم عليه السلام يؤمر بأن يذبح ابنه إسماعيل، ولده العزيز! إنه لأمر تنُوءُ بحمله الجبال..استجاب إبراهيم لربّه، وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته، فشدَّ الرِّحال إلى ابنه ليلبِّيَ أمر الله فيه، ولم يلبث أن أخبر ولدَهُ بما أمره الله به، فقال: {إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} (الصافات:102)، فبادر الغلام بالطّاعة، وقال: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (الصافات:102). فما أعظم مشهد العبوديّة والامتثال والخضوع لأمر الله هذا، من ابراهيم الّذي وفَّى واسماعيلَ المَرْضِيِّ عند ربِّه!
واستسلم الشابّ لأمر ربه، وألقاه إبراهيم على الأرض، وأمسك السّكين لينفذ أمر الله فيه، ووضع السكين على نَحرهِ، وأمرَّها على عنقه، بيْدَ أنّهَا لم تقطع، ولم تفعل فعلها المعهود. وَرَحِمَ الله الشَّيخَ الكبير، ورَحم قلْبَ الشَّابِّ الفَتِيِّ، ونودِيَ: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ} (الصافات:105)، فدى الله إسماعيل {بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافات:107)، رآه بجواره، فأقبل عليه وذبحه؛ فكان فداء لابنه، وحقناً لدمه."
هذه هي قصّة الذّبيح.
قمت وقد عَظُمَ أَمْرُ يوم العيد في نفسي أكثر وعَظُمَ في نفسي أن يترك أناس شعيرة أضحية العيد بغيرِ عُذْرٍ. أَلَا يَقْتدُونَ بِهَذا الأَبِ وَابْنِهِ الّذَيْنِ عَظّمَا أَمْرَ الله وَأَطَاعَاهُ وَهُوَ أَكْبَرُ وَأَشَقُّ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ؟
وفكّرت أيضا بحال هؤلاء المساكين الّذين يستخفّون بهذه الشعيرة ويتداولون صور الخراف المازحة المستهزئة بالعيد. وإذا أنكر عليهم أحد سخروا منه وقالوا انّما نخوض ونلعب. أَ بِشَعِيرَةٍ أَمَرَ الله بتعظيمها يستهزؤون؟
----------
المصدر: إسلام ويب - بتصرّف


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire